ابن قيم الجوزية
505
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
له ، وإنما إيجاده وصفاته ، وإرادته ، وقدرته ، وأعماله : عارية من الفعّال وحده . والعبد ليس له من ذاته إلا العدم . فوجوده ، وحياته : ثوب أعيره . فمتى نظر بعين الحقيقة إلى كسوته : رأى أحسن أعماله ذنوبا في هذا المقام . وأصدق أحواله زورا ، وأصفى قصوده قعودا . فلا يرى لنفسه منه عملا ، ولا حالا ولا قصدا . فإنه ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم . فكل ما من النفس : فهو ذنب وزور وقعود . وما كان مرضيا فهو باللّه ومن اللّه وللّه . لا بالنفس ، ولا منها ، ولا لها . فإن العبد إذا رأى أنه قد فعل الطاعة : كانت رؤيته لذلك ذنبا . فإنه قد نسب الفعل إليه . واللّه في الحقيقة هو المنفرد بالفعل « 1 » . فعلى هذا لا يتخلص العبد من الذنب قط . فإنه إذا خلص فعله من الرياء ومن كل شيء يفسده : اقترن به آخر ، لا يمكنه الخلاص منه . وهو اعتقاده : أنه هو الفاعل . والصواب : أن هذا ليس بذنب ، ولا هو مقدور للعبد ولا مأمور به . والكمال في حقه : أن يشهد الأمر كما هو عليه ، وأنه فاعل حقيقة ، كما أضاف اللّه إليه الفعل في كتابه كله . واللّه هو الذي جعله فاعلا . فإذا شهد نفسه فاعلا حقيقة . وشهد فاعليته باللّه ، ومن اللّه لا من نفسه : فلا ذنب في هذا الشهود ، ولا زور بحمد اللّه . وهو نظر بمجموع عينيه إلى السبب ، والمسبب ، والشرع ، والقدر ، والخلق ، والأمر ، وأنه متى شهد نفسه عاصيا ، مخالفا ، مذنبا : كان عاصيا بهذا الشهود . لأن الفاعل فيه غيره . وهذا مناف للعبودية أشد منافاة . وهو من سير القوم إلى شهود الحقيقة الكونية ، واعتقادهم : أنه غاية السالكين . فإن قيل : الشيخ ههنا ما نطق بلسان الأبرار . وإنما نطق بلسان المقربين . ولا ريب أن « حسنات الأبرار سيئات المقربين » ولسنا نريد أن شهود فعله ذنب في الشرع ، بل يكون حسنة كما ذكرتم . لكن هو حسنة للبرّ ، ذنب للمقرّب . فإن نصيب البر من السيئة : ما جاء به العلم . ونصيب المقرب : ما جاءت به المعرفة التي هي أخص من العلم . قيل : هذا أيضا باطل قطعا . فإن المعرفة الصحيحة : مطابقة للحق في نفسه شرعا وقدرا . ومخالف ذلك فمعرفة فاسدة . والحق في نفس الأمر : نسبة الأفعال إلى الفاعلين قياما ومباشرة ، وصدورا منهم . وذلك محل الأمر والنهي ، والثواب والعقاب . والقدح في ذلك مستلزم لإبطال الشرع والجزاء . فإن الشرع إنما أمر بأفعالنا ونهى عنها . والجزاء إنما ترتب عليها . فشهود أفعالنا كذلك من تمام الإيمان بالشرع والجزاء . ونسبتها إلى الرب تعالى ، قضاء وقدرا ، وخلقا للأسباب التي منها إرادتنا وقدرتنا . فلم يجبرنا عليها ولم يكرهنا . بل خلقها بما أعطانا من القدرة والإرادة ، اللتين هما من أسباب الفعل . فهذا المشهد يحقق عبودية « إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » والمشهد الأول : يحقق عبودية « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » وهما يحققان مشهدي فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا ( 29 ) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 29 ،
--> ( 1 ) ولم يرد هذا أيضا ولا قصده . فإنما كلامه بلسان « ما وحد الواحد من واحد . وكل من وحده جاحد » فعندهم الوجود كله مظاهر وثوب مستعار للحقيقة التي هي هو . وهو هي .